تل الكلاب ” قصة قصيرة “
كتبها(بر مصر ) هشام حماده ، في 19 أغسطس 2009 الساعة: 16:06 م
تل الكلاب
تل الكلاب قرية عاشت طويلا تحمل هذالاسم دون أن يلتفت أهلها للقبح الكامن فيه . استسلم أهلها له وتقبلوه كجزء من قدرهم اليومى , كما يتقبل الأعرج عرجته ويتقبل الأعور عيبه حتى لايلتفت له أو ينساه . خرجوا إلى الحياة فوجدوا أنفسهم يحملون هوية هذه البلدة فتعايشوا مع حقيقة أمرهم بل أن بعضهم كان إذا غضب أو تورط فى مشاحنة كلامية لايجد غضاضة أن ينفخ من صدره فيحا من غضب يعبر حلقه ” اسمع , أقول لك , أنا من تل الكلاب ….” وكأنها وسام بطولة أو شعار فروسية أو هوية سامية . أما من أين ألتحقت هذه البلدة بهذا الاسم , فهذا ما ورد فيه قصص كثيرة فمن قائل أن السبب يرجع إلى أنها فى القديم كان يكثر حولها الرعاة وتكثر معهم كلابهم فى حراسة أغنامهم ضد الذئاب الشرهة , إلى قائل أن أرض التل كانت قديما موضع معركة شرسة ضد إحدى الحملات الصليبية وأن كثرة الجثث اجتذبت إليها كثير من الكلاب إلى قائل آخر أن المكان كان مقفرا وكان يأوى له اللصوص و القتلة والخارجين عن القانون وأنه حمل هذا الاسم نسبة لهؤلاء المارقين , وقائل أخر يدعى نسبة أهلها لبنى كلب ، إحدى قبائل العرب . أما السبب الذى يؤكده الشيخ سيد ذلك العجوز المعمر الذى احتفظ رغم عمره المتقدم باستقامة قامته وصفاء عينيه وبشاشة وجهه رغم أثر السنين , فهو أن هذه القرية عانت قديما من عدة ثارات بين أهلها استمرت أطوارا من التاريخ حتى فنى فيها كثير من الناس , وكان الثار يبدأ بين عائلتين كلما انتهى بين أخريتين ,وأن شراسة وغدر ولؤم طبع كانوا فى أخلاق هذه القرية وكان يحلو للشيخ سيد أن يقول فى نهاية قصته : “مازالت تلك أخلاق سكانها “. مما كان يدفعه مرات كثيرة لمشاحنات كلامية مع شباب القرية لكن الشيخ سيد كان يسعد بذلك ويبش لأنها كانت فرصة له ليشرح لشباب القرية محاسن الأخلاق . وكان إذا غلبه شباب القرية بتكاثرهم عليه وبعنفوان أصواتهم التى لم ترهقها السنون , يقول لهم ” ومالها الكلاب , على الأقل هى وفية لأصحابها وأصحاب الجميل عليها , كما أنها لاتعض بعضها , وتعيش قطعانا موحدة وليست تجمعهم الاماكن ويفرقهم الحسد و البغضاء , تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى”. وكان إذا سئل مامعنى شتى يقول : ” قلوب كلاب غير حرة امتلكها بشر متعادون فكل يقاتل فى هوى صاحبه . قلوب الكلاب تقع حيث تلهث ألسنتها و تلعق . من يطعمها الدنئ يقودها ” . أكثر من مرة حاول عمدة القرية أن يثنيه عن أرائه الفجة فى القرية و سكانها ولكنه كان يخرج كل مرة من دار العمدة بابتسامة ساخرة . كان لايتورع أن يكني العمدة فى أحاديثه عند الإشارة له بالظالم وآكل الربا , فقد كان العمدة يستغل حاجة الفلاحين للمال ويشترى منهم إنتاج غرسهم من قبل أن يرى النور , وكان ذلك بسعر بخس بطبيعة الحال , وهذا ماصاغ نفس الشيخ سيد فى هذا العداء الذى لاينتهى مع العمدة .
كان الشيخ سيد هو شيخ كتاب القرية وحافظ كتاب الله فيها وإمام المسجد بطبيعة الحال وإن كان هذا تطوعا منه دون أجر أو تعيين . حاول كثيرا أن يحث أهل القرية عى أن يداوم أبناؤهم فى كتابه بصورة منتظمة ولكن على مدار عمره فى قريته تلك لم يتم ختم حفظ القرآن إلا قليل من أبنائها, أغلبهم غادرها مواصلا دراسته ومتشابكا مع عمله بعيدا عنها.
منذ عامين أو أكثر, أقبل على القرية شيخ ليس من أبنائها, بل عين بمسجدها من قبل مديرية الأوقاف . وعلى غير هيئة الشيخ سيد الذى كان يرتدى الزى الأزهرى المميز , كان الشيخ غانم يرتدى جلبابا أبيضا دائما مكويا وناصعا وغير مناسب لإخفاء بطنه العظيم . كان الرجل سمينا ذو لحية سوداء كثة وافرة يتخللها المشيب ويضع فوق رأسه شالا أبيضا مكويا يعتلى طاقية بيضاء . عرف طريقه منذ قدم للقرية إلى دار العمدة , وكان يدعوه فى مجالسه بولى الأمر . ولم تكن تخفى أبدا تلك المودة بينه و بين العمدة الذى كان بدوره يصدره فى كل المناسبات مهملا الشيخ سيد بعدما يأس من إصلاح مساره .
الشيخ غانم كان جهورى الصوت معنفا فى خطبه قصور الناس ,وأحيانا يتباكى مظهرا الهلع على مستقبل الناس الأخروى , كان كثيرا ما يلهب ظهورهم لإهمالهم السنة فى هيئاتهم وهيئات نسائهم وفى أموربعض النوافل و العبادات , لكنه أبدا لم يتطرق لخضوعهم لسطوة العمدة واستغلاله . احتد يوما على الشيخ سيد صارخا ” لو أصلحت مافى نفسك ومابينك وبين ربك ,لأصلح الله مابينك وبين السلطان , السلطان كفؤكم من الله بما تستحقون ….” وعبثا حاول الشيخ سيد إقناعه بمناصحة العمدة , لكن ماأدهش الشيخ سيد ذات يوم هو دعوة الشيخ غانم الناس للسعى نحو تغيير اسم بلدتهم . علق كثيرا لمن كان يسأله عن دعوة الشيخ غانم ” غيروا أنفسكم أولا ” ,”الشيخ غانم قال لايجدر هذا مع تكريم الله للإنسان” , ” المهم أنتم , لن يفيد جبانا أن يكون اسمه السبع” ” لكن الشيخ غانم قال لكل إنسان من اسمه نصيب “.
أثارت دعوة الشيخ غانم كثيرا من وجهاء القرية وكأنهم فطنوا لأمر لم يلحظوه وتحول الأمر لاهتمام الناس وصار محور النقاش على مقاهى القرية . الحقيقة أن الكثيرين لم يختلفوا فى جدوى تغيير الاسم من عدمه ولكن بقى الاختلاف يدور حول هوية الاسم الجديد . فى النهاية انتصرت دعوة الشيخ غانم بعدما مال لها وجهاء القرية واعتمد المجلس المحلى الاسم الجديد ” تل الصالحين “.
كان الشيخ سيد يحمل حقيبة ضخمة عتيقة فوق ظهر دراجته الهوائية دون أن يركبها مكتفيا بدفعها مع حملها الثقيل وهو يراقب بعض الشباب منشغلين بتثبيت لافتة كبيرة وجديدة عند مدخل القرية تحمل الاسم الجديد . كان الخط جميلا والألوان باهرة . كانت تلك هى أخر مارأى من قريته , فلم يعد من يومها لقريته ولم يبحث أحد عنه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, قصة, قصص | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























