نفديك يا أقصى


غلاف الرواية

غلاف رواية زمن جميل ...صدرت بالقاهرة 2009

زمن جميل "المنصورة 2000" – الحلقة قبل الأخيرة

كتبها(بر مصر ) هشام حماده ، في 21 مارس 2008 الساعة: 21:50 م

        901ima         

ملخص ما سبق :
جميل أخ غير شقيق لبشير و نور .أبوه استشهد فى حرب الاستنزاف .أمه ليلى فقدت زوجها الأخر والد بشير و نور فى العراق لكن مازالت تنتظره . جميل ينضم للحزب الحاكم . .يتلقى صدمة عندما تتحطم ارادته أمام خصمه الذى ضربه بالشارع و يضطر للتصالح بالقسم تحت ضغط من خليل الديب عضو المجلس. بشير منضوى فى جماعه دينيه رغم معارضة جميل و ضيقه. بشير يشارك مصطفى صديقه و زميله فى بيع الخضروات و الفاكهة تحت منزله و كلاهما يحملا بكالوريوسا من كلية العلوم . مصطفى يرى زميلتة من أيام الدراسة و يتفكر بها بعد أن تجددت ذكرياته. بشير و مصطفى يشتبكا مع تيفا و معزة تاجرا المخدرات. جميل ينتهز فرصة الانتخابات و يندفع فى تزويرها لأجل أن يكافأ من الحزب ومن خليل الديب ثم  ينغمس فى أعمال خليل ويستفيد من أرباحها . جميل و مصطفى يتم اعتقالهم أثناء المعركة الانتخابية .يلتقى جميل باسماعيل ثانية داخل السجن حيث يتقاربا و يتعاطف معه المهندس اسماعيل المتهم بالقتل فى جريمة شرف ويعرض على جميل أن يشاركه بامكاناته المادية فى أداء رسالة خارج السجن . جميل يتعلق بسكرتيرته الحسناء التى تدفعه للنجاح و يفكر بالزواج منها .جميل يعهد لمصطفى ببعض التهيئة لمكتب اسماعيل الذى سيستخدماه لأداء رسالة اجتماعية كمايعهد له بالتخلص من مسدس اسماعيل .مصطفى يذهب لخطبة جهاد و يفاجأ بموتها المريب فيعود ليسر لأمها بشئ فى اليوم التالى .جميل يكتشف سر غياب نجلاء فقد تزوجت خليل الديب سرا .يصدم و يثور و يبلغ النيابة ضد مخالفات خليل الذى أراد أن يورطه بدوره بشهادة سائق عبد الحكيم منصور .مقتل عبد الحكيم و تراجع السائق يطلقا سراح جميل من الحجز بكثير من الألم.
 

                

  *****************************************
                          ( 17)
في أنفاس متسارعة وقف مصطفى على باب شقة بشير في اضطراب واضح رثا له جميل فسارع بدعوته للدخول إلى غرفته. كان بشير حاول كثيرا خلال الأيام السابقة أن يتصل به دون جدوى . حزن بشير كثيرا لقناعته أن مصطفى عاد لحياته الضائعة في الأقصر . كان قد قرر أن يعجل بسفره إلى هناك ليجلب مصطفى معه ويرده إلى جادة الطريق قبل أن يفاجأ به عصر ذلك اليوم على بابه على هذه الحالة البائسة . كاد مصطفى أن يرتعش وهو يتخذ مجلسه على فراش بشير . جلس بشير مقابلا له وهو ينتظر بلهفة حديث صديقه الذى بدا مترددا . أخذ بشير المبادرة ليسأله " إذن فقد أصررت على العودة لبلدة جهاد لعزاء أهلها .لماذا؟ وكيف استقبلوك ؟"
مصطفى : لم أر سوى والدتها وكان ذلك كافيا لأتأكد من شكى. هذه المرأة كان ينم وجهها عن القسوة و الغضب اكثر مما ينم عن الحزن و الشفقة . كان كل شئ رأيته معك في القرية مبهما و غامضا . الناس .هروبهم من الكلام . نظرات الحيرة في وجوههم . قصة المرأة التى أنكرت أن تكون الجثة المشوهة لجهاد ولم يسكتها إلا صفعات أمها .قلبى الذى لم يصدق أبدا أنها ماتت . كنت أهفو لرؤية والدتها ووالدها .لم أتمكن من رؤية والدها . كان بالدار وشعرت به .لكنه أبى أن يخرج ليقبل عزاءنا . كان الأمر غريبا وازداد غرابة . وجهها و عيناها حرضانى أكثر على رفض فكرة الموت . لم تتكلم إلا كلمات نادرة وكأنها تعجل بانصرافى وأمى . لم أملك نفسى ونحن ننصرف إلا أن أنحنى نحوأذنها لأهمس " لو كانت جهاد حية لما ترددت أن أتزوجها مهما كانت ظروفها و بلواها " عندما عدت لأنظر في عينيها لم أجد أثرا لدهشة أو غضب من قولى . بل رأيت قسوة تذوب و رفض يتوارى ودموع أرادت أن تترقرق حرة رغم القهر .أدارت وجهها ونزعت يدها . لم أدر ماأقوله وفى نفسى الكثير .لم أجد إلا أن أمد لها يدى بورقة أعددنها و كتبت بها رقم هاتفى المحمول وأنا أنوى أن أطلب منها أن لاتتردد أن تطلبنى لأى حاجة لها فإذا بى أقول لها بعد أن وضعت الورقة بيدها " اطلبونى أريد أن أسمع صوتها" أظهروجهها تعبيرات الدهشة بينما فطنت أنا لما أقول فخرجت سريعا .  في اليوم التالى نشطت محمولى المعطل . فوجئت باتصال كريستينا التى وصلت بأحد فنادق القاهرةوقررت الرحيل لها لإنهاء هذه الزيجة . كان عبوسى و الحزن و الكآبة التى سيطرت على وجهى سببا وجيها لأن تعى طلبى قبل أن أتكلم . كانت مهذبة وهى تسألنى إنهاء إجراءات الطلاق مدنيا كما عقدناه . سافرنا للأقصر ولم تمض الليلة حتى أنهينا الإجراءات في مكتب نفس المحامى الذى عقد لنا الزواج. كانت قد دفعت لى بألفى دولار دفعت منهم ثلاثمائة له واحتفظت بمكافأة نهاية الخدمة أقل من ألفى دولار . كم شعرت بالإهانة والرخص لكنه إحساس ليس جديدا ولا غريبا .
لم أطق رغم تأخر الليل أن أبيت في تلك المدينة . ركبت إلى القاهرة عربة أجرة . وصلت للقاهرة صباحا .نمت بالسيارة كما لم أنم في حياتى . في القاهرة همت على وجهى حتى قاطعنى رنين هاتفى . صوت فتاة متهدج و متردد لم أفهم ما تقول حتى قالت " لماذا تصر على لقائى؟" كانت هى . كنت أشعر أنها حية وأن أمها تحميها من شئ بإشاعة موتها ربما من مجتمعها ربما من أبيها ربما من القادم الذى تكتمانه . في ساعات معدودة كنت في السنبلاوين فى منزل خالة أمها . إمرأة مسنة وحيدة لكنها مازالت تحتفظ بذهن حاد ونفس مهيمنة وقواعد مشددة . صدمتنى بقصتها . حقا لم يكن أمامها إلا أن تموت أوتخرج من الحياة بصورة أخرى . ولأنها اعتقدت بالقصاص قررت أن تؤجل موتها وإن عجلت بشهادة وفاتها . كان القصاص فكرتها و قناعة المرأة العجوز أما أمها فهى التى اقتنصت فكرة موتها أمام جثة بغير ملامح بعد أن علمت قصة ابنتها بعد غيابها. كانت فكرة وليدة اللحظة .وكانت فرصتها لقتل الفضيحة و كتم العار . صارحت الأم الأب قبل أن ينقل أحد له خبر شهادتها . قالت له "ابنتك ميتة في جميع الحالات . لايلوك شرفنا بلسانه أحد وحتى نغسله بيدنا.
بشير : لازلت لاأفهم .
مصطفى : كنت مثلك يومها . لم أستوعب غير أنها مازالت حية وأن هناك جريمة شرف وأنهم أخفوا الأمر عن الناس بهذه الطريقة الحمقاء . كنت مازلت أراها حماقة .قبل أن أؤمن بمدى الحكمة و الذكاء الفطرى لدى الجميع .كانوا يعون قوانين الفطرة ولديهم شجاعة البدو وحزمهم . أحسست بإحراجها أن تتحدث أمام العجوز الحاضرة أكثر من ذلك رغم مارأيته من قوة مستحدثه فيها . تلك الشاعرة الرقيقة و المثقفة النشطة كانت تحمل روح نمرة جريحة أو لبؤة يذبح شبلها بين يديها.
كانت كائنا أخرا لكنه أضاف للفتاة الأولى و لم ينتقص منها . ازدادت في عينى سحرا وقوة . رغبت أكثر في معرفة التفاصيل . استأذنتهما على وعد بالعودة . لم أخرج من البيت بخطوات حتى اتصلت على هاتفها و طلبت منها أن نلتقى بالمنصورة صباحا . اتفقنا على اللقاء في حديقة الحيوان . كان موعدنا الحادية عشرة . في العاشرة و النصف كنت هناك أجول في الحديقة عندما رأيتها مبكرة متكئة على سور حديدى تراقب الغزالات .
                 ************************
بعد يومين من العمل في مقر الشركة التى تقع في الطابق الأعلى من مصنع صغيرللمنتجات البلاستيكية التابع لها والتى انتقلت إليها كموظفة ملفات وأمينة للخزنة في آن واحد استدعاها صاحب المصنع عند انصرافها . في مكتبه عرض عليها هدية بدون مناسبة .ترددت فأخبرها أنها بمناسبة التعيين و قبولها بالشركة .شكرته و استئذنت دون انتظار رده . في اليوم التالى استدعاها وطلب منها السفر معه للقاهرة لتحصيل مبالغ مالية . رفضت لأنها لم تكن من طبيعة العمل المتفق عليه ولأنها غير مسموح لها بالتصرف على هذا النحو . أسفر وجهه عن وحشية وأعلن صراحة أنها يجب أن تكون تحت أمره . اعترضت و طلبت قبول استقالتها . أظهر المرونة و التراجع وطلب منها الاستمرار في العمل . بعد يومين من تحملها لنظراته الحيوانية قررت إنهاء عملها بالشركة وطلبت منه أن تسلم الخزنة وتجردها متعللة بعدم مناسبة العمل لإمكانياتها . خرج من مكتبه للحظات ثم عاد يخبرها أنه سيقبل استقالتها وأن العهدة ستجرد في اليوم التالى ثم طلب منها النزول للمصنع لاحضار أوراق معينة .عادت و لم تجده بالمكتب فتركت الأوراق على مكتبه . عند خروجها من باب المصنع حيث المنفذ الوحيد لخروج العاملين و الموظفين تم تفتيش جميع العاملين . كان التفتيش على العمال أكثر دقة هذا اليوم . عرفت أن مبلغا ماليا اختفى من فوق مكتب المدير . فوجئت بأمن المصنع يخرج ظرفا به أموال من حقيبة يدها كان قد دس فيها عند غيابها عن مكتبها وعليه حقيبتها . صدمت وصرخت " لا..حرام " . كان الأسوأ عندما تعمد رجل أمن الشركة أن يخرج من حقيبة يدها شرائط معروفة لمنع الحمل للنساء و وسائل أخرى ظاهرة تخص الرجال فينثر بعضها على الأرض أمام العمال المنصرفين و يعيد بعضها إلى الحقيبة مع ظرف المال ثم يتمسك بها في يده و اليد الأخرى تقبض على يدها  تقودها لمكتب المدير الذى كان يراقب الموقف من شرفة علوية داخلية . هذه المرة ألجمت المفاجأة لسانها . كانت الصدمة أكبر من استيعابها . لم تصدق أنها ماتزال تعيش بين البشر . كانت تنتظر أن يوقظها أحد من كابوس مرعب . انفرد بها في مكتبه بعد أن خرج رجلا الأمن ليستدعيا الشرطة . لم يعد أحد من الموظفين أو العمال القلائل الذين كانوا ينصرفون ليستطلع الخبر فقد أفزعهم بشدة ما رأوا وكانت تسمع لعنات بعضهم وهم ينطلقون خارجين . لم يعرفها أحد أو يختلط بها أحد على مدى الأيام القليلة التى عملت بها . كانت ترتجف .هل ستطلع الشرطة على هذه الحقيبة و تسجل شهادات الجميع . أغشى عليها ولماأفاقت كانت بين يديه يعبث بها . استيقظت للمؤامرة لكن لم تكن استجمعت بعد قواها المنهارة . هل ستسمع صافرة عربة الشرطة تدخل الآن للمصنع . جاء صوته حازما " اختاري " بكت .لم يرحم ضعفها و تمادى .كبلها خوفها من السجن و الفضيحة ."أستطيع أن أبرئك من كل شئ .غدا صباحا سيعتذر لك الجميع ويقبلوا أقدامك . بعد لحظات انتبهت أنه امتلك مفاتيح جسدها المكبل بالذهول و الرعب و الصدمة . عندما تهدجت أناتها وضعف صوتها وارتخت العضلات المتشنجة فشلت حركتها وقهرت حينها المقاومة .واستسلم الغريق المكافح لراحة الخلاص بالموت .عندئذ قادها من شعرها وألقى بها أرضا ونادى تيفا الحارس فاقبل و معه معزة . على مرأى منهما التهمها حارس الأمن بكل عنف و سعار . من بعده أشار عبد الحكيم الرفاعى لمعزة فلاحظ تردده .سبه "أنت جبان ابن جبان . أخرج واختفى من وجهى " هرول الأخيرخارج الغرفة .مد عبد الحكيم يده في حقيبتها ليخرج الظرف المطلوب و يقذفه إلى تيفا ثم ألقى بالحقيبة إليها وسط دموع دافقة تسترد وعيها و هو يكاد يصرخ " ابعدى عن نظرى الآن .صرت أهون وأرخص من أن اقترب منك. لاتنس أن بالحقيبة وسائل تفيدك .صباحية مباركة ". انفجرت في صراخ تلطم وجههافأقسم أن يبيتها بالسجن إن لم تنته عن ذلك "اسكتى فسأبرئك في الصباح " لكنها لم تعد أبدا . خرجت لتختفى يومين عند العجوز تفكر بالانتحار و تتراجع عنه كل مرة . كانت فكرة القصاص تلح عليها . اتصلت العجوز بوالدتها وأسرت لها ماأخبرته به أخيرا الفتاة . أخفت على والدها الأمر حتى واتتها فرصة التبريرلاختفاء الفتاة عن القرية التى بدأت تتكلم سرا ."مصطفى لم أتصل بك لعرضك على أمى ما عرضت . إن كنت حقا تريد أن تساعدنى فأمدنى بمال أشترى به السلاح الذى يلزمنى. أعلم من أين أشتريه . هل معك ألف جنيه .حسنا أنت تريدنى. فليكن هذا مهرى . أولا سأقتص لنفسى ثم تزوجنى واشبع منى لأننى سأسلم نفسى بعدها . لن يدر أحد بهذا الزواج ولا بما فعلت لأجلى . مصطفى لعلى اذا تزوجتنى ولو يوما أكون قد نلت بعض أمانى من الدنيا قبل أن أفقد كل شئ.هل مازال لديك الاستعداد .هل ماعرضت على والدتى كان جادا؟"
 في اليوم التالى عاد مصطفى لحديقة الحيوان يخفى تحت ملابسه مسدس اسماعيل الذى كان من المفترض أن يتخلص منه لكنه وجد في نفسه رغبة قوية في استبقائه . طاف في الحديقة بحثا عنها .هذه المى تأخرت عن الموعد كأنها لم تصدق أنه سينفذها طلبها . كانا يطوفان الحديقة بحثا عن بعضهما عندما التقيا أمام قفص الأسود و تسلمت منه المفاجأة .لم يكن مالا . كان مسدسا محشوا . استدارا خلف القفص الذى يقبع في أقصى ركن للحديقة . مابين السور الخارجى للحديقة وظهر بيت الأسود. علمها هناك كيف تفك زر الأمان وكيف تمسك به عندما تطلق الرصاص .
مكالمة نسائية لعبد الحكيم أبقته داخل مكتبه بعد انصراف العمال .كان مع حارسيه . عندما دخلت امرأة ترتدى عباءة فاخرة موشاة و نقابا من الحرير الأسود البراق يخفى وجهها الا عينان عسليتان بارقتنا بدا تبسمهما ، رحب بها تيفا و قادها نحو مكتب عبد الحكيم قبل أن يغلق الباب عليهما و يعود لصاحبه معزة يأمره أن يحضر سيارة عبد الحكيم من الجراج ويستجلب منها زجاجة من الخمر .سمع تيفا طلقتا رصاص . جرى يفتح الباب .كانا عبد الحكيم على الأرض فاغرا فاه نازفا دماءه وعلى وجهه كل علامات الرعب و الفزع وهو يحاول أن يقاوم الاحتضار . كانت جهاد تقف سافرة الوجه بعد أن كشفته لعبد الحكيم قبيل اطلاق الرصاص. وجهت سلاحها نحو صدر تيفا لابفصل بينهما إلا أقل من مترين أشارت لتيفا بالدخول وهى تقترب منه خطوة أكثر فتحرك نحو الداخل بعيدا عن الباب. قالت بسخرية امتزج بها الغضب والحزن " بكل تأكيد ..أنت تذكرنى " ارتعشت شفتا تيفا و لم تخرج كلمة .انطلقت رصاصة فاخترقت بطنه لتخرج من ظهره وتصطدم بالجدار . سقط تيفا كجذع شجرة خاو مرتطما بالأرض بدون حراك . وبينما عاد معزة سريعا فأخفت هذه المرة وجهها لما أحست بدخوله . عندما أطل على الباب مذهولا ارتعشت قدماه و شفتاه وجثا عل ركبتيه و قد أوشك على البكاء بعد أن انعقد لسانه . التفتت ببصرها نحو عبد الحكيم الذى خفتت نزعاته ومازال بصره نحوها شاخصا ابتسمت نحوع بابتسامة ساخرة ثم أشارت لمعزة أن يتنحى عن الباب لتخرج فزحف على أربع إلى داخل الغرفة.لوحت بمسدسها نحوه متوعدة " لو خرجت من هنا الآن سأقتلك بالخارج " عبرت الباب و أدارت المفتاح لتغلقه .
                       ***************************************
بشير : أين كنت أنت ؟
مصطفى : رفضت هى أن أصحبها . فبقيت مساء ذلك اليوم عند سور حديقة الحيوان حيث التقينا أخر مرة . السور خلف قفص الأسود . لكن من جهة في الشارع فالحديقة تغلق في الخامسة مساءا .كنت استعيض عن رؤياهم بسماع زئيرهم . كانت أخر ذكرياتنا . لم أكن أدر هل ألقاها بعدها أم لا.
بشير : ولماذا تتورط في هذا الأمر . هل تظن أنك ستنجو .
مصطفى : اسمع يا بشير رغم أنى أعلم مدى التزامها بوعدها إلا أننى لست نادما على أى شئ . ولعلمك أن لم تقتله هى لقتلته أنا .
بشير : لا أدرى أهذه عاطفة ونخوة أم جنون و حماقة ؟ وأين كنت من ذلك الحين ؟
مصطفى : منذ أن سلمتها المسدس وهى تقيم بفندق بالمنصورة . بعد الحادث تزوجنا وأقمنا بفندق أخر . صباح هذا اليوم استيقظت على صوت هاتفى المحمول . لم أجدها بالغرفة .لكنها كانت المتكلمة على الهاتف .كانت على باب النيابة تطلب منى أن أغادر الفندق لأنها لن تعود وتسألنى أن أسامحها. لم يستطع مصطفى أن يمنع دموعه من الفيضان بل علا صدره بنشيج منع بشير أن يواصل اللوم والأسف .
                     ***********************************
في صالة منزل منى التى كانت جالسة ترتدى السواد حداد على أخيها ، جلس في مقابلها جميل و بين ساقيه اتكأ على فخذه أحد ولديها بينما يد جميل تخلل شعر رأسه حنانا و دلالا . كانت عيناه ساكنتان خاشعتنا متأملتان لمنى في سعادة كبيرة . هذه المرأة شئ مختلف .اعتاد أن يستشعر الأمن و السكينة بل و الثقة في وجودها . لقد كانت نوسه تربكه وتذله . أما نجلاء فقد استلبته وهيمنت على روحه ولم يكن يملك إلا أن ينقاد لها . أما هنا حيث يلقاها غالبا فهو يشعر بإحساس الرجولة . يشعر بسيادته منذ اللحظة الأولى التى يضع فيها قدمه داخل منزلها . ربما أفلحت أن تشعره دونما قصد انه يصطحب معه الحماية و الرعاية والأمن إلى داخل منزلها . ربما وجدت فيه ماافتقدته عمرا في طليقها فرفعت كل راية بيضاء نحوه . هل كانت تفتقد لظل رجل في لهيب الحياة أم هو يذكرها بأبيها رجل السياسة ذى الثقل الاجتماعى الكبير الذى طالما منحها الرعاية و الأمن و الوجاهة الاجتماعية . أما هو فقد عرف في رؤياها طعم السكينة و غياب القلق و الشك   . لقد مكنته من أن يشعر بالثقة في نفسه لأول مرة في حضور النساء وبخاصة في خلواته بهن . بالإضافة لذلك فستكون بعد وفاة أخيها و عودة حقوقها إليها امرأة ثرية . هذه الحقيقة عمقت إيمان جميل بها وزادت من تعلقه. هذه المرة اكتشف جميل وجود خادمة بالمنزل حيث دخلت عليهم وهى تحمل طاقم الشاى تضعه بين يديه و تنصرف .سكبت منى له فنجانا قدمته له فتقبله بإحساس غامر بالسعادة .لقد عوضته سريعا طعنة نجلاء . لأيام قاسية كان يستشعر المهانة و الضآلة ومرارة الخداع وحقيقة أنه لم يكن أكثر من لعبة أو في أفضل الظروف جسر اقتضت الحياة لفتاة طموحة أو طامعه أن تعبره .ثم جاء صوت منى محملا على جناح من الفرحة : هل سيرشحونك للانتخابات القادمة ؟
جميل   : أخبار لم تتأكد بعد . لكن من المؤكد أن خليل انتهى ومصيره إلى السجن .
منى     : أنت أفضل من لديهم . ربما أيضا تكون رئيس الحزب . ناصف الدكرورى قد يرحل وهناك تجديد .
جميل : لدى مشروع أهم .
منى   : أهم ؟! ( ترفع حاجبيها اندهاشا )
جميل : هل تتزوجينى ؟. . (يخيم صمت بينما تنظر نحو ملابسها السوداء ) .. بعد الأربعين سأتكلم مع زوج أختك .الأهم موافقتك . الأسبوع القادم سيزور المحافظة مسئول حزبى كبير و احد الوزراء . لاأدرى لأى مدى سأنشغل قبلها و بعدها . ليتنى أمتلك يقينا من موقفك . لاأريد أن يشتت ذهنى شئ . ( كان يستحثها أن تنطق بما يعلم . أراد توثيقا لمشاعره وإقرارا يرفع به راية النصر الأولى في عالم النساء . أجابته بابتسامة لم تشفه . أراد إقرار و إذعانا . فهمت إلحاحه . أجابت "نعم ..نعم ..نعم " ثم ضحكت ضحكة مفاجئة " و هل تقبلون أن تسمعوا غير نعم .. وهل إذا قلت "لا " ستحتسب .فهم نكتتها و ضحك وهو يضع قدما على قدم " لن أقبل منك سوى نعم ".
             **********************
   ***** يتبع ******
   
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, رواية, قصة, قصص | السمات:, , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

29 تعليق على “زمن جميل "المنصورة 2000" – الحلقة قبل الأخيرة”

  1. صباح الخير أخى الحبيب /هشام

    أولا أرجو قبول عذرى عن التأخير عنك خلال الايام الماضية

    فلقد تعطل الحاسوب عندى أيام

    مما منعى من التواصل معكم

  2. الغالى هشام …

    الرواية أكثر من رائعة ، وبالفعل تستحق النشر بعد اعادتك صياغتها لهذا الصدد

    الدراما فيها الأن بدت واضحة …

    وتسلسل وترابط الاحداث بات أروع ….

    وتصويرك للصراع والحالات النفسية للأبطال ممتاز جدا …

    سننتظر بشغف نهاية الرواية فى الجزء الأخير …

    بالتوفيق ان شاء الله …

    بانتظار ..

  3. اخي الحبيب هشام ….

    كل عام وانت بألف خير وهناءة ……..

    في انتظار الرائعة الأخيرة ….
    وصدقني أنت روائي رائع !!

    مودتي وخالص تقديري

  4. مرور شكر وتقدير

    لأخ غالى نجله ونقدره ونحترمه …

    نحبكم فى الله .

  5. استاذنا

    هشام بر مصر

    شاعرنا واديبنا

    أرجو ان تتحول روايتك الى عمل مرئى بإذن الله

    ***

    فى انتظار الحلقة الخيرة

  6. منذ اعوام مديدة كان الدعاء لشعب فلسطين ومنذ اعوام قريبه كان الدعاء لشعب العراق ومنذ ايام كان الدعاء لشعب غزة

    فهل لنا من صرخة لنهب مصر؟؟

    http://www5.0zz0.com/2008/03/23/00/861458967.jpg

  7. أخي العزيز الأستاذ هشام

    عمل جيد أحييك عليه

    لكن لي ملاحظه

    لم أقتنع بواقعية أن أسره مصريه تعلن وفاة ابنتهم وهي علي قيد الحياه

    ولم أحب أنك جعلت إرتداء النقاب وسيلة التخفي لجهاد كي تقتل مغتصبها

    كان بامكانك معاجة الأمر دراميا دون إقحام النقاب

    ومع ذلك يبقي إبداعك متميزا

    تحياتي أحي العزيز

  8. الحلقة قبل الأخيرة

    هههههههههه

    يعنى فعلا فاضل ادراج واحد

    و الله يا اخى كنت فاكرك بتريحنى و خلاص

    عامة جهد مشكور

    و بدل عجبة الغالبية خلاص

    نعيد من تانى

    احنا ف بلد ديمقراطى

    تحياتى

  9. الرائع / هشام

    ها قد لاحت النهايات واستمتعنا معك بالسر الراقى

    والمعانى الجميله سأكون هنا لاتابع آخر حلقة

    دعواتى بالتوفيق

  10. الاخ الفاضل

    هشام

    كل التحية لك وفى انتظار تحول روايتك الى كتاب قريبا ان شاء الله

  11. مساؤك وررد وعنبر

    استاذنا العظيم اقف عاجزة امام ابداعك هذا وان شاء يتوج عملك

    دمت بخير

    مع تحياتي,,,

  12. تحياتى لك على هذا التضامن وتللك الواقعيه والمنطقيه فى اسلوبك والرائع

    لمزيد من الابداع

  13. اخ هشام

    بجد القصه اصبحت مكتمله

    لا تضن بها

    واعرضها علي دور النشر واخبرني لاني ساكون اول المشترين باذن الله تعالي

    تحياتي لك

  14. أخي العزيز هشام

    بوركت وبورك قلمك

    واتمني لك النجاح بنشر هذه الرواية أو تتحول إلي عمل تليفزيوني

    دمت بخير وسعادة

  15. أخي الغالي هشام …

    أعتقد ان هذا الجهد العظيم ينبغي له ان ينشر …فبها سيقدر اكثر من لنشر على المدونة …

    اولا لانها الرواية ..طويلة ..تحتاج الى المتابعة والتركيز وتلاحق الاحداث ..

    اتمنى فعلا ان تسعى لنشرها لانها تستحق …

    متابعة …

    وفي انتظار الجزء الاخير …بس خلي النهاية سعيدة …عشان احنا العرب بنحب النهايات السعيدة …

  16. أخي الكريم هشام بر مصر

    أجد نفسي اليوم أمام رائعة جديدة من روائع القصة

    قصة جميلة واسلوب سرد جميل وممتع

    استمتعت بالقراءة لطك وفي انتظار باقي الاجزاء

    شكرا لك وادام اللهعليك هذا العطاء

  17. هشام بر مصر

    اشكر على موساتى ولى عودة قربية للتعليق على الزمن الجميل .

  18. اخى الكريم استاذ هشام….فعلا …هو الزمن الجميل….دعواتى بدوام التوفيق

  19. رائع بكل معنى رائع

    جميله جدا

    كم احزن لكونها قبل الاخيره

    حقا لقد اعتدت عليها

    دمت بالف خير

    سلامى ………

  20. الاخ العزيز هشام

    اولا اود ان اشكرك على السؤال

    وثانيا احب ابدى اعجابى بابداعك المتواصل

    تحياتى

  21. السلام على معلمي واستاذي

    ككل مرة اكثر من رائع…..ثم الجميع يدعونك للنشر…..اظنها انسب خطوة بعد نشرك للجزء الاخير…..لانها رواية متكاملة العناصر……ولن افيض اكثر …..فالعمل متميز ……..
    نجاحك اكيد

    تلميذتك مؤنسة
    سلام

  22. أخي هشام

    سلمت يداك على هذه الكتابة

    بدي أعيد أقراء من الأول علشان أتابع إلي فات

    بس لفت إنتباهي جرائم الشرف

    موجودة في كل الدول العربية ولي بستحق القتل أكيد مش البنات

    طويل الحكي في القصة

    دمت بخير أخي

  23. مساء الخير أخي هشام

    أولا أعتذر على هذا التأخير في التواصل و ذلك لغيابي عن المدونات أو لحضوري القليل جدا فيها……..

    هذا مرور سريع أترك لك فيه تحية و شكر على حضورك المتكرر في مدونتي حقيقة يسعدني مرورك و في نفس الوقت يجعلني أخجل من نفسي على تقصيري بحق مدونتك حتى أنه فاتني عدة أجزاء من روايتك أتمنى أن أقرأها قبل أن تنشر الجزء الأخير…. و لاعطائي الوقت الكافي الذي تستحقه سأعود مرة أخرى لقراءتها بتأني ………….لي عودة قريبة ان شاء الله …تحياتي و تقديري

  24. السلام عليكم
    اخي هشام تسلسل جميل للاحداث في تلك الحلقات وتطور لما حدث ليس في المنصورة ولكن التغير الذي حدث في مصر كلها .. تغير في كثير من الامور ..
    ومنتظرين الحلقة الاخيرة ..
    ولك تحياتي الطيبة

  25. القصة رائعة جدااااااا

    واكتر من رائعة بستنى التتمة

    بس لو تسمح تبلغني لما تنشر الباقي بعد اذنك لو سمحت

    احترامي وتقديري لك ولقلمك الرائع اخي

  26. فين بقى الأخيرة يا عم هشام

    وقعتك موش فايتة لو بعد كده تقولنا

    الزقازيق 2010 ….

    ما نخليها بقى مدونة هشاميار و الألفيات …

    عامة يا عم ماتزعلش بدل عاجبة الناس خلاص

    غالبية

    موافقة

    موافقة

    تمام

  27. ****************** حملة حماية *************************

    —————— ندعوكم للمشاركة في مسابقة ———————-

    ………. ” أفضل مقال عن مكافحة المخدرات والإدمان ” …………..

    للمزيد من التفاصيل والاخبار السارة عن الاتحاد واعضاؤه تفضل بزيارتنا

  28. جميله جدا جدا جدا

    يلا بقى مستنينم الجزء الاخير

    عشان يبقى ختامها مسك

  29. حبكة درامية مشوقة

    وفى انتظار الحلقة الأخيرة

    تحياتى لك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر