ملخص ما سبق :
جميل أخ غير شقيق لبشير و نور .أبوه استشهد فى حرب الاستنزاف .أمه ليلى فقدت زوجها الأخر والد بشير و نور فى العراق لكن مازالت تنتظره . جميل ينضم للحزب الحاكم . جميل تجاوز سن الأربعين و لم يتزوج بعد .يتلقى صدمة عندما تتحطم ارادته أمام خصمه الذى ضربه بالشارع و يضطر للتصالح بالقسم تحت ضغط من خليل الديب عضو المجلس وأخرين من ذوى الشأن. بشير منضوى فى جماعه دينيه رغم معارضة جميل و ضيقه. بشير يشارك مصطفى صديقه و زميله فى بيع الخضروات و الفاكهة تحت منزله و كلاهما يحملا بكالوريوس من كلية العلوم . مصطفى يرى زميلة الدراسة جهاد و يتفكر بها بعد أن تجددت ذكرياته. بشير و مصطفى يشتبكا مع تيفا و معزة تاجرا المخدرات ويصيباهما ويدخلا جميعا الحجز بقسم الشرطة ويستطيع الضابط شريف إنهاء الأمر بينهم. جميل ينتهز فرصة الانتخابات و يندفع فى تزويرها لأجل أن يكافأ من الحزب ومن خليل الديب . جميا ينغمس فى أعمال خليل ويستفيد من أرباحها . جميل و مصطفى يتم اعتقالهم ضمن المعتقلين أثناء المعركة الانتخابية .يلتقى جميل باسماعيل ثانية داخل السجن حيث يتقاربا و يتعاطف معه المهندس اسماعيل المتهم بالقتل فى جريمة شرف ويعرض على جميل أن يشاركه بامكاناته المادية فى أداء رسالة خارج السجن .
*****************************************
(14)
جلس عادل وديع و سمير الشربينى متجاورين على إحدى طاولات مقهى أندريا التى صفت خارج المقهى على الرصيف فى صباح يوم جمعه مشمس . كان سمير يمعن النظر فى إحدى مقالات الصحيفة التى فى يده عندما بادره عادل بالحديث:
عادل : ياأخى صحف المعارضة التى تتعب عينيك فيها لن تزيدك إلا اكتئابا . ( يغلق سمير الصحيفةو يطويها لما عرف رغبة عادل فى الحديث )
سمير :والله لن يضير الشاة سلخها بعد ذبحها .
عادل : تعنى أننا مذبوحين مذبوحين . إذن نريح رءوسنا قليلا .
سمير : بالنسبة لى القراءة تشغلنى عن التفكير . بل أجد فيها متنفسا لأفكارى المرهقة و مشاعرى المتوترة .
عادل : وهم يريدون ذلك فقط . التنفيث . وهم لا يسمحون من مظاهر الديمقراطية إلا بالصحف فقط من أجل هذا الغرض أن يتنفس الناس وينفثوا غضيهم و توترهم . وبعد ذلك أى شئ أخر غير مسموح . والقاعدة الذهبية هنا هى تكلم كما تشاء وأفعل ما أشاء .
سمير : أو القافلة تسير و الكلاب تنبح . (يضحك عادل )
عادل : إذا أنت تفهم الأمور . وصاحبك وابن عمك كان أفضل منك فهما وأسرع استجابة . ألم يكن من الأفضل أن تنضم معه لقائمة المجلس المحلى . هاهو بمنتهى اليسر و البساطة أصبح رئيسا لمجلس محلى المدينة ولن يزعزع عنها إلا إلى أفضل منها وأعلى .
سمير : هو عرضها عليك أيضا ياأخى .لماذا لم تقبلها أنت مثل أسامة .
عادل : لا ياعمى أنا مرتبط بالكنيسة وأستنير دوما بتوجيهها .هذه المرة " الجماعه " ليس لهم رغبة .
سمير : هل الكنيسة حزب سياسى ؟
عادل : عندما تغيب السياسة وتغيب الحقوق فليس أمامنا إلا الكنيسة .
سمير : حسنا .تساوينا إذاً . إذا كانت الكنيسة هى ضميرك السياسى فأنا أيضا لى ضميرى السياسى فلماذا تعتب على؟
عادل :لكن ليس لديك ما يمنعك كمجتمع وسلطة ما أن تستفيد بالعمل السياسى .
سمير : وهل الكنيسة عندك هى مجرد مجتمع و سلطة أم هى تشكل ضميرك أيضا .
عادل : بدون شك هى فى ضميرى و فكرى .
سمير : هذا هو أقوى الأجزاء فى الموضوع . المشكلة أننا كشعب اختلفت قواعد تشكيل الضمير بيننا وبين بعض . الأغلبية الكبرى الآن لايشكل ضميرها سوى اتجاهات المصلحة الشخصية و البراجماتية الخالصة . كلمة المصلحة الوطنية الآن ربما أصبحت فكاهة للكثيرين تماما مثل الأناشيد الوطنية الهزيلة التى لم تعد تجذب أحدا وكنا من قبل يقف شعر رأسنا وتقشعر أبداننا إذا سمعنا نشيدا وطنيا. هل تعرف لماذا فقدت تلك الأناشيد الإثارة و الحماس .
عادل ( يمسح بيده على وجهه الأبيض المكتنز) : أعتقد أنها قضية إحساس بالانتماء .
سمير : الذى يكتب النشيد ليس لديه تلك المشاعر المتحمسة. هو يكتب للمناسبة المطلوبة . لاتثيره قضية وطنيه . ولا الذى يلحن يستشعر أو يؤمن بما يعمل عليه ولا الذى يغنى ترهقه أحاسيسه الوطنية . ولا كل هؤلاء يؤمنون بفورة و حماسة المستمعين الذين سيستمعونهم . الموضوع كله أشبه بكلام المجاملات فى المناسبات .
عادل : عنك حق . كل إنسان الآن يقول يارب نفسى .
سمير : وإذا طغت فى الرؤية الأنا غاب المجموع .غاب الشعب و الوطن .
عادل : شئ محزن جدا . كيف وصل بنا الحال لهذا الوضع ؟
سمير : يا عادل أهل بيتك وأولادك لن يعيشوا خارج ثقافتك و اهتماماتك . أولوياتك ستؤثر على أولوياتهم . كلنا مسئولين . كلنا مدانين . السيل القادم من فوق الجبل يجرف الجميع . من يقاومه . كلنا أضعف من أن نقاومه .لأننا لسنا سوى آحاد كما يقول الشاعر أحمد مطر . الفرد يجب أن يعمل و يعيش فى منظومة المجتمع . التعاون و التكامل بين الأفراد يصنع المجتمع الفاضل . روح الفردية تحول المجتمع لكائنات متفرقة تأكل بعضها بعضا .
عادل : هل تقصد أن نرجع لأيام الاشتراكية و القطاع العام .
سمير : و مجانية التعليم الجيد وتعيين الخريجين وبناء المصانع وتشغيل مئات الآلاف من العمال وتبنى الصناعات الثقيلة و المشروعات القومية . لكننى لاأحب كلمة رجوع ولا أحب تكرار النموذج فلكل زمن ظروف . كما يجب أم يؤخذ التطور الديمقراطى بعين الاعتبار .
عادل : أنا معك .الاشتراكية لم تكن كفرا كلها .
سمير ( يرفع نظارته من على وجه الأسمر النحيف و يمسحها بمنديل ورقى قبل أن يعيدها لوجهه) : لنا عقول تستوعب تجربة الماضى وتحدد مشكلات الحاضر واحتياجات المستقبل .لاتوجد دوجما ثابتة . الماركسية نفسها تقوم على فكرة اكتمال التجربة الانسانية أى التقدم . الجمود لا يعنى التقدم . الماركسية نفسها تطور لفكر هيجل وتطورت هى نفسها مرة لينينية و مرة ماوية . فى السبعينيات توقف الاتحاد السوفيتى أن يكون نموذجا ليساريي أوروبا . الليبرالية نفسها تغيرت وآمن مفكروها بالتضامن الاجتماعى وإعادة صياغة العلاقات بين رأس المال و العمل . لقد رفضوا حتى نموذج النمو الاقتصادى اليابانى الهائل وذلك لصالح الجانب الانسانى وفضلوا نموا اقتصاديا أكثر هدوءا . المهم أن يكون هناك تطور فى الفكر وأن يقف فى أول الصف مفكر و ليس وليس جاويشا يحمل عصا .
عادل : تقصد مفكرون ليس واحدا فقط ، فأنا لدى حساسية من موضو ع الفرد الواحد الذى يقف فى أول الصف .
سمير (يضحك) : معك الحق .
عادل : والآن أنا أريد أن أكلمك فى موضوع يهمنى كثيرا . إنه يخص جورج إبن عمى . أريد من صاحبك وابن عمك أن يتدخل له بعد انتهاء امتحانات الثانوية العامة لأن الولد وأهله لديهم رغبة جامحة فى إدخاله كلية الشرطة .
سمير : أولا جميل قريب منك كما هو قريب منى . ثم هذا أمر من المبكر جدا الحديث فيه .
عادل : أهله يلحون من الآن .ثم تذكير جميل من الآن يجعل الموضوع فى حسبانه .
سمير : منك لجميل . لن أطلب شئ كهذا من جميل لإبنى . أهم شئ لجميل الآن المال الذى سيستفيده.لكن ربما يكون شهما معك . ثم أليس أخيك ضابط شرطة وهذا كفيل بتدعيم موقفه .
عادل : أنت تعلم حساسية وضعنا فى مثل هذه الكليات و الأمر يحتاج دفعة قوية من شخص قوى منكم .
سمير : منا ( يضحك )تقصد منهم .
عادل :و بخصوص المال فلن يكون لدى أهله أى مشكلة فى ذلك .
سمير : نعم ياسيدى . أموالكم كثيرة .(يضحك)
عادل : نشكر ربنا . جميل له فترة طويلة لم نراه هنا .
سمير : وحتى لو جاء لك هنا سيأتى بحاشية و زفة كاذبة .إذهب إليه فى مكتبه هذا أفضل .تستطيع أن تكلمه هناك . له مكتب مستقل الآن فى العمارة المجاورة لمكتب خليل الديب يدير منه مصالح الديب.
عادل : ومصنع العلف فى شربين ؟ ألا يتواجد فيه ؟
سمير : لاأظن . ولا أعتقد أن هذا المصنع يعمل بعد .(ينظر يمينه ) هاهو أسامة قد جاء وسيأتيك بكل أخباره فهو يراه كل يوم تقريبا .
عادل (يبتسم ) : مجلس محلى معا .
يقبل أسامة بهيئته الأنيقة ووجهه المشرب بالحمرة يزينه شارب كستنائى كثيف وهو يحمل كرسيا و يتجه ناحيتهم ويضع كرسيه بجوار سمير ,الأقرب عند وصوله ، لكنه يضع الكرسى مجانبا للحائط الذى يستندان إليه ليتجه بوجهته إليهما .
أسامة( يمسح على شاربه) : أرى الابتسام على وجوهكم .
عادل : كنا نقول وحدة محلية مايغلبها غلاب.
سمير : نقصد أنك الذى ترى جميل الآن بصورة دائمة .
أسامة : إن كنتم تقصدون رؤيته فى المجلس المحلى فهو نادرا الآن أن يذهب لهناك .أنا أراه أحيانا فى مكتبه .
عادل : والمصنع . كان يسافر الاسكندرية كثيرا لأجله .
أسامة : المصنع لايعمل بعد . وأعتقد أنهم يستوردون أشياء بصورة مباشرة و يبيعونها .
عادل : مررت عليه مرة فى هذا المكتب ولم أجد به أحدا إلا عاملا هناك .
أسامة ( يبتسم ) : و سكرتيرته الحسناء ألم تكن هناك ؟
عادل : لم أرها . إذن هى سكرتيرة حسناء .
أسامه : أووه . لقد ظل أسبوعا يجرى مقابلات مع الفاتنات المتقدمات حتى استقر على هذه بعد أن فتن بها .لاأظنه يستطيع مفارقة المكتب طويلا . (يضحك ) من الطبيعى ألا تجده هناك إذا كانت هى غائبة . الأسبوع الماضى كنت أزوره وكانت هى غائبة ذاك اليوم وكان عصبيا جدا حتى أننى قلت له يلزمك سكرتيرة احتياطية . أتعرفا كيف رد على ؟ قال هذه ليس لها احتياطى فى المنصورة ( يضحك) . ققلت له استورد لاعبين محترفين من الخارج . (يستكمل ضحكه يشاركه عادل و يكتفى سمير بابتسامات هادئة)
المزيد