مسافة الخطوات
فى طريقى إلى باب الخروج وقفت أمام المرآة أمشط شعرى للمرة الثالثة وأتطلع إلى شعيرات قليلة بيضاء على جانبى رأسى.. أعدت المشط إلى مكانه وأنا ألقى نظرة إلى صورة جدى – رحمه الله – الموضوعة فوق المرآة . لفت نظرى شعره الذى غلب عليه السواد رغم أنه كان دائم الاعتزاز بشيبته وكثير التحدث عنها . حتى أننى أخاله عندما لاأطالع صورته أبيض الرأس. ابتسمت وأنا أذكر قولته المأثورة فى المشيب وأرددها ساخرا وأنا أتحسس الشعر الممشط بعناية فى جانبى رأسى.
الهواء على شاطئ النيل كان يمتزج بروحى فى داخلى فأغمض عينى للحظات ليزداد شعورى به. منذ أن رأيتها وأن أجد لكل شئ شعورا آخرا. ملابسى التى كانت تستوى جميعا فى نظرى صار منها ما أراه قبيحا مستهجنا ومنها الذى كنت أبتهج به لمجرد إخراجه من صوان الملابس . حتى الألوان بدأت استشعر اختلافها والفروق الشاسعة بينها . بل أصبح لكل لون معنى يرتبط به , من فرح ..لسعادة غامرة..لنشوة …لإحساس بالقوة .للفخر..للثقة..للغموض …لكننى لم أستدل على لون يغرس الحزن فى انطباعات نفسى . لكن كانت دائما أجمل الألوان وألصقها بذهنى تلك التى كانت تغلب على ملابسها . كان لكل شيئ له علاقة بها سحر خاص. ولما كان الأزرق السماوى هو لونها المفضل أحببت صفحة السماء .
شهور مضت منذ أن جاءت للتدرب بمؤسستنا وأوكل إلى تدريبها على تسوية و مراجعة الميزانيات على الحاسوب . فى اليوم الأول لم أكد أرى وجهها. تعاملت معها كعبء إضافى جديد . لم أتكلم كثيرا ولم تتكلم هى . بعد أيام لفت نظرى أنها جميلة وإن اكتست عيناها بنظرة حزن , كما انتبهت إلى أن أكثر الشباب بالمؤسسة يحوم بنظراته حولها . بدأت أشعر ببهجتها فى الحديث إلى فى الوقت الذى لم تعط فيه اهتماما كثيرا أو قليلا لبنى عمرها .شعور سرى بالسعادة أصبح يتسلل إلى .مع الوقت لاحظت اختفاء نظرتها الحزينة .بدأت أكتشف ذكاءها الخارق عندما أعطيتها فرصا مطولة للحديث خارج محتوى التدريب والذى كان ينصب على تعليماتى الجامدة والتى لاأسمح فيها عادة بالمناقشة بل فقط بتطبيق صامت ودقيق . كنت غالبا أغضب وأثور من أخطاء المتدربين لكننى اكتشفت قدرا كبيرا من الصبر أصبح يلازم سلوكى كما أصبح لدى ولع بالاستفاضة فى التدريب.
اكتشفت فى نفسى اعتيادا مرضيا على تواجدها وذلك عندما غابت ليومين لظروف صحية . عاد إلىَّ وجهى الخشبى الصارم أو عدت إليه. كنت شديد التوتر . لم أستطع يومها أن أتم يوم العمل واستأذنت مبكرا. عندما كنت فى طريقى للعمل فى صباح اليوم التالى بقلب وجل ونفس مضطربة وهاجس ألا أراها ثانية ,لم أستطع أن أستكمل الطريق للمؤسسة التى عملت بها ثلاثون عاما دون أن أغيب بدون عذر قهرى. عدت لمنزلى ولزمته . لكن قبل مرور ساعة من وصولى للمنزل رن جرس الهاتف الذى حمل صوتها ضاحكا آمرا لى بالقدوم للعمل فورا لأنها تفتقدنى كثيرا وتنتظرنى . كأسرع ماخلق الله من رجل كنت على مكتبى قبل مرور عشرون دقيقة ألهث وأضحك كثيرا.
فى نهاية ذلك اليوم لاحقتها أعينى خارجة من باب المؤسسة عقب انتهاء العمل. لماغابت عن عينى أسرعت للسلم فلما توارت نهبت درجات السم حتى شارفت على باب الخروج . تلكأت وعيناى تلاحقها ولم تطب لى نفس أن يغيبها نهاية الطريق حتى كنت أتبعها بمسافة خطوات . تقلبت بنفسى مشاعر شتى خلال دقيقة واحدة أوأقل. مسافة خطوات تفصلنى عنها خلتها عمرا..خلتها بلادا شاسعة و مفازات.. خلتها حدودا و أسوارا ..خلتها فضاءا كونيا . دفقة من دم حار اندفعت فى قلبى فقررت فى لحظة أن أقطع كل ذلك .
فاجأتها لاهثا بالدعوة لتناول عصيرا .حملنا كأسينا وقوفا . كانت ترتشف عصيرها وأنا أرتشف كل سعادات العمر المتأخرة . كنت أتكلم كثيرا وأحكى عن كل الأشياء التى خلتها فى لحظة مضحكة . كانت تبتسم وعلى وجهها علامات من الدهشة. لما انتهت من تناول كأسها ومدت به يدها تضعه على منصة ا
المزيد